تعتمد الصحف القومية طريقة مشهورة جدًا في الحديث عن رؤساء مصر بعد ثورة عام 1952 . فجمال عبد الناصر هو الوطنى الشجاع ، و أنور السادات هو السياسي الداهية ، وحسنى مبارك هو الرجل الحكيم . في حين أنهم يهملون تمامًا محمد نجيب ، ولا يعترف البعض منهم بتوليه السلطة لأكثر من يومين.
هذه هي رموز الحياة السياسية، أما من الناحية الفنية فلدينا ثلاثة رموز عملاقة أخرى لا يقدر أحد أن ينكرها ، وهم أم كلثوم ، ومحمد عبد الوهاب ، و عبد الحليم حافظ. لو لم تكن تحب الاستماع إلى أي منهم فأنت مشكوكٌ في وطنيتك وربما تكون غير مصري من الأساس. في الأدب هناك طبعا نجيب محفوظ أعظم رموز الحياة الأدبية وما عاداه باطل. إذا أردت أن تمدح أحدًا فلا بد ان تقول أن كتاباته تذكرك بعظمة نجيب محفوظ . وإذا أردت أن تذم نفس الشخص يكفي أن تتحدث عن العصر اللقيط معدوم الهوية الذي يشبه فيه الصعاليك ، بأباطرة الأدب.
في الفن والسينما فنحن نفتقد عظمة وروعة وبهاء ونقاء زمن الفن الجميل ، حيث كان لدينا يوسف بك وهبي و أنور وجدي ، وشادية و سعاد محمد ، و ماجدة ، ونجاة ، وفاتن حمامة .. إلى آخر القائمة.
هذه هي الرموز التى تعتمدها الصحف القومية والناطقين باسمها ، أما صحف المعارضة والمنتمون لها ، تجد النقيض تقريبًا ، فجمال عبد الناصر هو البلطجي الذي سرق مصر من محمد نجيب وهو المريض النفسي الذي كان يعذب معارضيه في السجون ، وأنور السادات هو الطاغوت الذي جاء إلى مصر ، والعميل الذي جاء لنا باتفاقية سلام موبوءة ، أما حسني مبارك فهو الرجل الذي تربع على عرش مصر منذ أكثر من ربع قرن ، وخلافه.
عبد الحليم حافظ كان ضعيف الموهبة التمثيلية ، وكان بالإضافة إلى أم كلثوم يحارب المواهب الشابة التي يمكن أن تنافسه ، عبد الحليم يستخدم علاقته بالمخابرات في مسح أي موهبة صاعدة ، وأم كلثوم تستخدم معرفتها بكبار الساسة ، بل وبالرئيس جمال في نسف أي صوت ناشئ ، حتى أنها هاجمت رياض السنباطي بعنف عندما لحّن لشهرزاد بعض أغانيها . ونجيب محفوظ هو الفاسق الداعر الذي تلقى جائزته بسبب سب الإسلام. أما زمن الفن الجميل فتهكمهم الدائم عليه بأغنية الزمن الذي كان يقال فيه ( يا شبب الهنا ، يا رتني كنت أنا ).
منذ فترة طويلة كنت جالسًا على المقهي مع مجموعة من جيلٍ يسبقني بثلاثة اجيال تقريبًا ، معظمهم في العقد السادس والسابع. كنّا نتحدث في السياسة ، عندما قرأ أحدهم خبر الحكم على ابراهيم عيسى بالسجن. قال أحد الجالسين في غِل ، ( أحسن ، عشان يحلق شنب أمه ابن الـ .... ، هو فاكر نفسه راجل ؟ ) صدمتنى العبارة بمنتهى العنف ، هو ليس متفقًا مع الحكم لأنه يرى أن إبراهيم عيسى مُدان فعلاً ، أو لأنه سيئ ، ولكن لأنه يرفض شاربه. ثم ما دخل شاربه في القضية ؟ وهل لو تم ادانته سيقوم الرجل بتنكيس رأسه وحلاقة شاربه ؟
هذا الرجل يشعر بكسر العين ، يعرف يقينًا أنه في بلدٍ تهين الحريات و لا تهتم بكرامة أحد ، بل ما هو أكثر إنه قد تم إهانة كرامته في بلده ، وهو قد ارتضى بهذه الإهانة وصمت ، ويريد أن ينال كل من حوله ما ناله هو حتى لا يشعر بالخزى والعار.
ولفترة طويلة – وربما بسبب هذه الحادثة – كان ابراهيم عيسى يعني لي الكثير ، وكنتُ أهتم بقراءة كتاباته ومتابعة أخباره. على أن هذه المتابعة الشديدة أفهمتني حقيقة الرجل. وسقط الرمز في نفسي. حينما يتحدث رجل وصحفي عن الديمقراطية والحرية ولا يطبقها مع من هم دونه في جريدته فهو هنا يبحث عن الوسائل أن تصل به إلى مجده الشخصي. صور جيفارا التي يعلقها في مكتبه توضح حقيقته إذا ما اسقطنا عن جيفارا أفكاره ورومانسيته ومبادئه ، وأبقينا شهرته وصيته ومكانته في النفوس ، هذا هو ما يراه الرجل في جيفارا. تابع أي من برامجه التلفزيونية ( وسيساعدك اليوتيوب في هذا كثيرًا ) وستجده لا يسمح لضيفه بلحظة يتكلم فيها ، إنه لا يجد وقتًا لأنفاسه خوفًا من أن تفوته لحظة لا يتكلم فيها.
ثم تابع كل صحفيين المعارضة بذات القُرب ، وسيدهشك ما ستجده. معظمهم إن لم يكن كلهم له أطماعه الخاصة ، إما أطماعًا مادية ، أو أطماعًا سياسية في الأغلب. تابع ما حدث في حزب الغد الذي أكل ذيله من كثرة جوعه السياسي. موسى مصطفى ليس أفضل من أيمن نور ، ولم يكن نور أفضل منه. أحدهما رغب في الوصول إلى كرسي الحكم لا رغبة في الإصلاح ، ولكن بحثًا عن المجد الشخصي. والآخر تم توطينه ديموقراطيا ليصير زقاقًا في الشارع الرئيس.
أسامة سرايا الكاتب الذي كان معارضًا وأظهر في مجموعة من مقالاته القديمة جدًا بعضًا من عيوب المجتمع ، وهاجم الكثير من مساوئ النظام السياسي. تم تدجينه في الحظيرة ليخرج كاتبًا قوميًا لا يشق له غبار، ويجلس على رأس أكبر صحيفة قومية في البلد.
محمد حسنين هيكل ، الصحفي الأسطوري الذي غيّر حقائق وتاريخ البلد كما يهوى ، ليخرج في النهاية بتأكيد روعته وشهادته على كل عصور مصر بعد الثورة. فهو كالشاعر يكتب من منطلق إحساسه وشعوره ، ومن هنا يفقد مصداقيته ، حينما يكتب ( خريف الغضب ) وهو في السجن في عصر السادات ، كيف تتوقع أن يكون صادقًا في كل ما يقوله أو في معظم ما يقوله. هو استخدم مهنته وأدواته التي لا يضاهيه فيها أحد ليمدح من يريد ، ويسب من يريد ، وقد وصل إلى مرحلة أنه لا يشعر بأهمية نقده أو من يعارضه ، بل هو في الحقيقة لا يرى من يعارضه. فكيف أصدق أنه صادق في بحثه عن الحقيقة حينما أقرأ له أو أسمعه؟
لن أتحدث عن كتّاب الحكومة فهم طبالى البلد ، إذا قامت قاموا ، وإذا جلست جلسوا. يستخدمون مواقعهم كـ( سبوبة ) جيدة ، ويبذلون قصارى جهدهم للحفاظ على الفرخة التي تبيض ذهبًا.
الحقيقة أننا في بلدٍ بلا رموز ، بلد يبحث كل من فيها عن قطعةٍ من الذبيحة التي تموت ليخطفها ويهرب. فكيف تطالب في بيئةٍ كهذه بالتربية السليمة والتقويم ، كيف تعاقب وقد تحول تنفيذ العقاب لمن لا يقدر على الفرار منه. فإذا اوصلتك نفوذك للهرب والتفادي فمرحبًا بك في النادي ، وإن عجزت فأنت في بلد الديموقراطية التي لا تتساهل في تنفيذ القانون.
كيف تعاتب الشباب على عدم تقديرهم لقيم الحق والجمال والخير ، التي يدرسونها لهم في كتب الفلسفة؟ الحقيقة أنك كي تُدرس الفلسفة وتطبقها لا بد أن تصل إلى درجة ما من تقدير المعنوي ، والشفافية الروحية. ولهذا فهذه البلد بلا فلاسفة. لقد رحل آخرهم منذ دهر دون أن يشعر أحد بقيمته ولا بأهميته، وأقصد طبعا د. زكي نجيب محمود.
كيف تسمح حياة مادية كهذه بخروج فيلسوف – بافتراض وجوده – إلى الحياة العامة؟ فلن يلتفت إليه أحد ، ولن يشعر بقيمته احد. وربما تنقلب عليه فلسفته ليتحول إلى مجنون.











