الاثنين، نوفمبر 09، 2009

لا مــكان للرمز !



تعتمد الصحف القومية طريقة مشهورة جدًا في الحديث عن رؤساء مصر بعد ثورة عام 1952 . فجمال عبد الناصر هو الوطنى الشجاع ، و أنور السادات هو السياسي الداهية ، وحسنى مبارك هو الرجل الحكيم . في حين أنهم يهملون تمامًا محمد نجيب ، ولا يعترف البعض منهم بتوليه السلطة لأكثر من يومين.
هذه هي رموز الحياة السياسية، أما من الناحية الفنية فلدينا ثلاثة رموز عملاقة أخرى لا يقدر أحد أن ينكرها ، وهم أم كلثوم ، ومحمد عبد الوهاب ، و عبد الحليم حافظ. لو لم تكن تحب الاستماع إلى أي منهم فأنت مشكوكٌ في وطنيتك وربما تكون غير مصري من الأساس. في الأدب هناك طبعا نجيب محفوظ أعظم رموز الحياة الأدبية وما عاداه باطل. إذا أردت أن تمدح أحدًا فلا بد ان تقول أن كتاباته تذكرك بعظمة نجيب محفوظ . وإذا أردت أن تذم نفس الشخص يكفي أن تتحدث عن العصر اللقيط معدوم الهوية الذي يشبه فيه الصعاليك ، بأباطرة الأدب.
في الفن والسينما فنحن نفتقد عظمة وروعة وبهاء ونقاء زمن الفن الجميل ، حيث كان لدينا يوسف بك وهبي و أنور وجدي ، وشادية و سعاد محمد ، و ماجدة ، ونجاة ، وفاتن حمامة .. إلى آخر القائمة.
هذه هي الرموز التى تعتمدها الصحف القومية والناطقين باسمها ، أما صحف المعارضة والمنتمون لها ، تجد النقيض تقريبًا ، فجمال عبد الناصر هو البلطجي الذي سرق مصر من محمد نجيب وهو المريض النفسي الذي كان يعذب معارضيه في السجون ، وأنور السادات هو الطاغوت الذي جاء إلى مصر ، والعميل الذي جاء لنا باتفاقية سلام موبوءة ، أما حسني مبارك فهو الرجل الذي تربع على عرش مصر منذ أكثر من ربع قرن ، وخلافه.
عبد الحليم حافظ كان ضعيف الموهبة التمثيلية ، وكان بالإضافة إلى أم كلثوم يحارب المواهب الشابة التي يمكن أن تنافسه ، عبد الحليم يستخدم علاقته بالمخابرات في مسح أي موهبة صاعدة ، وأم كلثوم تستخدم معرفتها بكبار الساسة ، بل وبالرئيس جمال في نسف أي صوت ناشئ ، حتى أنها هاجمت رياض السنباطي بعنف عندما لحّن لشهرزاد بعض أغانيها . ونجيب محفوظ هو الفاسق الداعر الذي تلقى جائزته بسبب سب الإسلام. أما زمن الفن الجميل فتهكمهم الدائم عليه بأغنية الزمن الذي كان يقال فيه ( يا شبب الهنا ، يا رتني كنت أنا ).
منذ فترة طويلة كنت جالسًا على المقهي مع مجموعة من جيلٍ يسبقني بثلاثة اجيال تقريبًا ، معظمهم في العقد السادس والسابع. كنّا نتحدث في السياسة ، عندما قرأ أحدهم خبر الحكم على ابراهيم عيسى بالسجن. قال أحد الجالسين في غِل ، ( أحسن ، عشان يحلق شنب أمه ابن الـ .... ، هو فاكر نفسه راجل ؟ ) صدمتنى العبارة بمنتهى العنف ، هو ليس متفقًا مع الحكم لأنه يرى أن إبراهيم عيسى مُدان فعلاً ، أو لأنه سيئ ، ولكن لأنه يرفض شاربه. ثم ما دخل شاربه في القضية ؟ وهل لو تم ادانته سيقوم الرجل بتنكيس رأسه وحلاقة شاربه ؟
هذا الرجل يشعر بكسر العين ، يعرف يقينًا أنه في بلدٍ تهين الحريات و لا تهتم بكرامة أحد ، بل ما هو أكثر إنه قد تم إهانة كرامته في بلده ، وهو قد ارتضى بهذه الإهانة وصمت ، ويريد أن ينال كل من حوله ما ناله هو حتى لا يشعر بالخزى والعار.
ولفترة طويلة – وربما بسبب هذه الحادثة – كان ابراهيم عيسى يعني لي الكثير ، وكنتُ أهتم بقراءة كتاباته ومتابعة أخباره. على أن هذه المتابعة الشديدة أفهمتني حقيقة الرجل. وسقط الرمز في نفسي. حينما يتحدث رجل وصحفي عن الديمقراطية والحرية ولا يطبقها مع من هم دونه في جريدته فهو هنا يبحث عن الوسائل أن تصل به إلى مجده الشخصي. صور جيفارا التي يعلقها في مكتبه توضح حقيقته إذا ما اسقطنا عن جيفارا أفكاره ورومانسيته ومبادئه ، وأبقينا شهرته وصيته ومكانته في النفوس ، هذا هو ما يراه الرجل في جيفارا. تابع أي من برامجه التلفزيونية ( وسيساعدك اليوتيوب في هذا كثيرًا ) وستجده لا يسمح لضيفه بلحظة يتكلم فيها ، إنه لا يجد وقتًا لأنفاسه خوفًا من أن تفوته لحظة لا يتكلم فيها.
ثم تابع كل صحفيين المعارضة بذات القُرب ، وسيدهشك ما ستجده. معظمهم إن لم يكن كلهم له أطماعه الخاصة ، إما أطماعًا مادية ، أو أطماعًا سياسية في الأغلب. تابع ما حدث في حزب الغد الذي أكل ذيله من كثرة جوعه السياسي. موسى مصطفى ليس أفضل من أيمن نور ، ولم يكن نور أفضل منه. أحدهما رغب في الوصول إلى كرسي الحكم لا رغبة في الإصلاح ، ولكن بحثًا عن المجد الشخصي. والآخر تم توطينه ديموقراطيا ليصير زقاقًا في الشارع الرئيس.
أسامة سرايا الكاتب الذي كان معارضًا وأظهر في مجموعة من مقالاته القديمة جدًا بعضًا من عيوب المجتمع ، وهاجم الكثير من مساوئ النظام السياسي. تم تدجينه في الحظيرة ليخرج كاتبًا قوميًا لا يشق له غبار، ويجلس على رأس أكبر صحيفة قومية في البلد.
محمد حسنين هيكل ، الصحفي الأسطوري الذي غيّر حقائق وتاريخ البلد كما يهوى ، ليخرج في النهاية بتأكيد روعته وشهادته على كل عصور مصر بعد الثورة. فهو كالشاعر يكتب من منطلق إحساسه وشعوره ، ومن هنا يفقد مصداقيته ، حينما يكتب ( خريف الغضب ) وهو في السجن في عصر السادات ، كيف تتوقع أن يكون صادقًا في كل ما يقوله أو في معظم ما يقوله. هو استخدم مهنته وأدواته التي لا يضاهيه فيها أحد ليمدح من يريد ، ويسب من يريد ، وقد وصل إلى مرحلة أنه لا يشعر بأهمية نقده أو من يعارضه ، بل هو في الحقيقة لا يرى من يعارضه. فكيف أصدق أنه صادق في بحثه عن الحقيقة حينما أقرأ له أو أسمعه؟
لن أتحدث عن كتّاب الحكومة فهم طبالى البلد ، إذا قامت قاموا ، وإذا جلست جلسوا. يستخدمون مواقعهم كـ( سبوبة ) جيدة ، ويبذلون قصارى جهدهم للحفاظ على الفرخة التي تبيض ذهبًا.
الحقيقة أننا في بلدٍ بلا رموز ، بلد يبحث كل من فيها عن قطعةٍ من الذبيحة التي تموت ليخطفها ويهرب. فكيف تطالب في بيئةٍ كهذه بالتربية السليمة والتقويم ، كيف تعاقب وقد تحول تنفيذ العقاب لمن لا يقدر على الفرار منه. فإذا اوصلتك نفوذك للهرب والتفادي فمرحبًا بك في النادي ، وإن عجزت فأنت في بلد الديموقراطية التي لا تتساهل في تنفيذ القانون.
كيف تعاتب الشباب على عدم تقديرهم لقيم الحق والجمال والخير ، التي يدرسونها لهم في كتب الفلسفة؟ الحقيقة أنك كي تُدرس الفلسفة وتطبقها لا بد أن تصل إلى درجة ما من تقدير المعنوي ، والشفافية الروحية. ولهذا فهذه البلد بلا فلاسفة. لقد رحل آخرهم منذ دهر دون أن يشعر أحد بقيمته ولا بأهميته، وأقصد طبعا د. زكي نجيب محمود.
كيف تسمح حياة مادية كهذه بخروج فيلسوف – بافتراض وجوده – إلى الحياة العامة؟ فلن يلتفت إليه أحد ، ولن يشعر بقيمته احد. وربما تنقلب عليه فلسفته ليتحول إلى مجنون.

اقرأ المزيد »

السبت، نوفمبر 07، 2009

في المطبخ..

مع تذبذب الفلورسنت

قبل الظلام .

وشعلة البوتجاز قبل موت الأنبوبة

وأزيز الثلاجة المحتضرة

أعرفُ ..

أن دقات قلبي المرتجفة ..

هي الأخيرة .

اقرأ المزيد »

الأحد، أكتوبر 25، 2009

بحثًا عن الحياة الجديدة !

يقترب تدريجيًا العام الثالث لهذه المدونة .
هذه هي المرة الأولى التي أذكر فيها شيئًا كهذا في كل هذه الأعوام .
لكنني في كل مرة كنتُ أتوقف لأبحث عن هذه الحياة الجديدة التى أقدمها أو التي تعبر عني ، غير أنني كنتُ أفشل في رؤية أي شيء جديد.
هذه هي التدوينة رقم مائة وسبعة وأربعين ، بدون التدوينات الأخرى التي قمتُ بحذفها لأنها كانت قصائد كاملة ضمّنتها ديواني الأول. كانت هناك فترة توقفتُ فيها عن التدوين هنا وانتقلت إلى مدونة أخرى أغرقتها بخواطري الكئيبة قبل أن أعود من جديد إلى موطنى الأول.
لكن في كل هذه التدوينات لا أجد الحياة التي تمنيتها لحظة بدءي في التدوين. لا أعرف أين العيب ؟ أهو في نفسي ، أم في هذه الحياة الرقمية الباردة الخالية من أي شعور .
كثيرًا ما كنتُ أحدث أحدًا وأنا غاضب أو وأنا حزين وأرسل وجهًا تعبيرًا يضحك ، أو ألضم هذه الهاءات المتصلة في ضحكة ممجوجة مزيفة لا تعبر عني إطلاقًا . لكنها بشكلٍ آخر تعبر عن سلوكي في إخفاء انفعلاتي لنفسي ، أو في كذبي أنا ، أو في أي شيء آخر تستنتجه من هذا ويروق لك.
على انني كنتُ أهجر المكان من وقت لآخر . لم أعتبر نفسي من قبل مدونًا على الإطلاق ، لا من مدوني الصف الأول أو الصف الثاني أو الصف العاشر. هناك هذه الصورة الدائمة عن المدون السياسي الذي ينافس صحف المعارضة في سب الحكومة وفي سرد مصائب البلد ، أو المدون الصحفي الذي يجعل من مدونته حقل تجارب لتجاربه الصحفية الوليدة ، أو المدون الذي يحول مدونته إلى دفتر مذكراته ، أو المدون الذي يستخدمها كأسلوب عصري في الدعاية والإعلان ، عن نفسه أو عن أي شامبو جديد.
لكنني لا أجد نفسي في كل هذه الأنواع ، ربما مارستها جميعًا من وقت لآخر ، إلا أنني لم أكن أشعر أنني أي منهم .
وكنتُ أعود لأتساءل بيني وبين نفسي عن هذه الحياة التي أقدمها هنا ، وتدريجيًا تحول السؤال عن هذه الحياة التي احياها في مجملها. من الجميل لي أن أتشبث بالدين ليكون آخر ما تبقى لي فأطلق لحيتي ، و أبشر كل من يطول بنطاله عن كعبه بالنار ، فيكون الدين أفيونتي التي تلهيني عن أي حياةٍ أحياها.
أو أن أُغرق نفسي في العمل وأهجر النت والقراءة والكتابة وربما أهجر التفكير بأسره ،لأستمع في نجابةٍ إلى ادعاءات الحكومة في صحفها القومية عن هذه الجنة التي أحياها والتي لم يكن في الإمكان أبدع مما كانت. لأعود إلى بيتي راضيًا ، وأغرق في النوم بمجرد أن أطأ الفراش.
كان لدى كذلك هذا الكاركتر الذي يرضي كثيرًا من الشباب الحمقى امثالي ، أن أخرج في المظاهرات ، وأتبع جماعة ما ، أو حزبًا ما ، وأظل ليل نهار أعبر عن رأيي في الحكومة الخارجة عن القانون التي لا تملك شرعيتها والتي لا تعبر عنّا. والتي تعذب بداخليتها وتظلم بعدلها ، وتسمح بمرمة رأسها في التراب بخارجيتها ، وتمرض الناس بصحتها ، و تبيع الناس بقواها العاملة ، وتقتلها ببيئتها وزراعتها. إلا أنني كنتُ أملك حُمقًا أكبر من الحد الذي يسمح لي بأن أصير هذا الكاركتر الجيفاري الواعد. خاصة أنه الكاركتر الوحيد تقريبًا الذي يعجب الفتايات ويفتح الطريق أمامي واسعًا أمام قلوب المئات منهن.
النوع الأخير هو شخصية توتي ، الولد الأمور الذي يطير الهواء شعره ، ويرافق كل يوم فتاة مختلفة ، يشبك أصابعه في أصابعها ويترك رأسها على كتفه ويغرق أذنيها بكلمات الحب والمستقبل المشترك ، والحياة التي ستصير رائعة في الغد ، قبل أن يضع مكانها فتاة أخرى ، ويعيد تشغيل الشريط.
كل هؤلاء كذلك لستُ واحدًا منهم ، لست المتطرف ولا المسالم ولا المناضل ولا الرومانسي ذو البوكسر الملون.
فمن أنا إذن ؟ وما هي الحياة المبوبة التي أضع نفسي فيها لأستريح.
للأسف على مدار سنوات عمري الستة والعشرين لم أجد لنفسي kind محدد أضع نفسي فيه وأسير على دربه في نجابة.
ولا توجد أي حياة جديدة كما أردتها ، كل ما هنالك أفكار تدور في فلكٍ غير معلوم ، في فضاءٍ آخر لن أصل إليه أبدًا. ثم إن هذه ليست التدوينة السحرية التي أقول فيها هذا الكلام ثم تصير الحياة بعدها كما لم تكن قبلها . أوقن تمامًا أنني سأعود إلى ما كنتُ أفعله طوال السنوات الثلاثة الماضية ، وأعرف كذلك أنني لن أجد أي إجابة على أي من هذه الأسئلة ، لأن هذه ليست رواية يحدد فيها المؤلف نوع النهاية وما كان يقصده بها ليعرض فكره ورسالته في الحياة.
أحيانًا افكر في تغيير عنوان المدونة من حياة جديدة إلى حياة رتيبة لتكون أكثر تعبيرًا عن حقيقتها ، إلا أنني لم أجد بعد رتيبة التي تشاركني التدوين.
اقرأ المزيد »

السبت، أكتوبر 24، 2009

آخرون ..! ـ1ـ

في أحد الأفلام الأجنبية التي تحكي عن الدول الاسكندنافية في العصور الوسطى ، علّق أحد الرهبان مجرمًا على الصليب أمام مجموعة من أطفال الدير الذين لا يعرفون بحقيقة المجرم ، وقتله بنفس الطريقة التي يظنون بها أن المسيح تم قتله ، فقط ليجسد لهم حجم معاناة المسيح ( كما يعتقدون ) على الصليب . وليزيد من إيمانهم به ، وقضية أن طغي الإنسان وصل إلى حد قتل الإله وتعليقه على الصليب والعياذ بالله.
لا أعرف إذا كانت أحداثًا كهذه حدثت فعلاً في العصور الوسطى أم لا . وإن كنتُ لا أستبعدها تمامًا .
لكن الله لم ينزل إلى الأرض ، ولم يعجز عن محو الخطيئة من نفوسنا ، لأن هذا قدرنا نحن أن نمحو الخطيئة من حياتنا ، اختبارنا الذي لن ننجح فيه قط .

*****
هذه الحالة أعرف شخوصها جيدًا وربطتني بهم معرفة قوية لفترة من الوقت ، الولد كان اسمه صبري ، شاب صغير في العشرين كان يعيش في الإسماعيلية ، عرفته حينما كنتُ أبحث عن سمسار ليجد لي شقة أو حجرة لفترة أسبوع ، حينما أوصلني البحث إليه لم أتخيل أن يكون صبري هذا في هذا العمر . السيجارة لا تفارق اصبعيه المتسخين ، وفي عينيه نظرة هادئة نوعًا . دار معي لمدة ست ساعات و عرض عليّ كثيرًا أن يحمل عني حقيبتي الثقيلة حتى راقتني حجرة من الكم الذي عرضه علىّ ، ثم سألني بكل بساطة إن كان هناك خدمة أخري يؤديها لي إذا أردتُ طعامًا أو بيرة . شكرته وحاسبته .
في الأيام التالية تبدي لي معدن هذا الفتى الأصيل ، وبساطته . كنّا نجلس كثيرًا وحكي لي عن حياته ، وصدمني حينما قال أنه متزوج وأن زوجته فتاه في أولى صيدلة وابنة احد رجال الأعمال .
تزوجها بعقد عرفي بسبب صغر سنهما وبأوراق مثبتة لدى المأذون ، وبمعرفة أبوها وأخوها وأخواتها الثلاثة .وأقام لها فرحًا ضخمًا في بلدته حضره جميع الأقارب .حينما عرفت أمها بالزواج وكانت مسافرة بالخارج لم تتحمل الخبر ، أرسلت للفتى وعرضت عليه الطلاق مقابل أي شيء يريده ، لكنه رفض .
في اليوم التالي وجد نفسه متهمًا في قضية قتل ، وقبض عليه ، وظل في الحبس اربعة أشهر ثم أفرج عنه بكفالة ، لعدم كفاية بعض الأدلة لاستمرار حبسه .
هرب صبري من بلدته مع زوجته التي كانت موقنة بأن امها هي السبب في هذه القضية ، وعاد إلى الإسماعيلية حيث كان يعمل وغير أماكن عمله ، بعد عام علم بأمرصدور حكم غيابي عليه بالأشغال الشاقة المؤبدة .
يقسم لي أن كل ما فعله أنه أحب زوجته وتمنى أن يعيش معها في سلام ، وهو قادر على أن يجعلها تعيش في نفس المستوى المادي الذي كانت فيه ، وهو دخل البيت من بابه ، ذهب إلى أبيها وطلبها وذهب للمأذون وتزوجها وأقام لها فرحًا كبيرًا . ما الذي اخطأ فيه هنا ؟ هو لم يقتل أحدًا . وكل هذا تم تلفيقه بتدابير من أم زوجته .
زوجته انتقلت للعيش معه في بلده أخرى ، ويذهب صبري يومًا إلى عمله في الاسماعيلية ليلاً ، ولم يستمع لنصيحتي له بأن يستأنف الحكم الصادر ضده ، ولا يعيش حياته مطاردًا هكذا . لكنه لا يري سوى اللحظة التي يعيشها ، ويهنأ بهذه الحياة غير الآمنة التي يذهب فيها لعمله ليلا ويستمتع برفقة زوجته التي تحبه والتي ضحت بكل ما في حياتها من اجله . ولا يرى اللحظة التي يتم فيها القبض عليه ولن يرى وقتها الحرية مرة أخرى .

***
أما فادية فكانت فتاة ليل محترفة ، تدرس الفلسفة وتحضر رسالتها للماجيستير ، وتقضي وقت فراغها كل يوم في فراش رجل مختلف ، كانت بالنسبة لها مجرد هواية ، هواية تعاقب بها والدها إمام المسجد الذي لا يعرف شيئًا عن الوجه السيء من ابنته .
حينما كانت ، تضحك وتهتز بعنف في ضحكها المضطرب ، والدها كان يضربها على أي خطأ تفعله حتى لو فرشت السرير بالملاءة مقلوبة . ولا يرتاح إلا برؤية دم يسيل منها ، وقتها كان يهدأ ويتركها . أجبرها على لبس الخمار وهي في العاشرة . وحلق لها رأسها بالموس وهي في الخامسة عشر لأنه شاهدها تقف أمام مرآتها تجرب التسريحات المختلفة عليه.
وزوجها من أول من تقدم لها وهي في الثامنة عشر وكان يكبرها بخمسة وعشرين عامًا ، ومعه عرفت معني ان تقدم نفسها لرجل لا تحبه . طلقها بعد عامين وعادت إلى أبيها مرة أخرى . وقضت ثلاثة أشهر في الجبس بعد أن كسر لها والدها ثلاث عظماتٍ في جسدها .
كانت لا تزال تعيش معه لكنها فهمت شيفرته وقامت بحلها ، وقدمت له ما يريد ، ومنذ هذه اللحظة صارت ملاك البيت ، وهو لا يفعل شيئًا إلا بعد مشورتها . لكنه لم يعرف بعد أنها تفعل مع كل رجل تقابله ما فعلته معه .
تعود وهي تضحك وتحك انفها بشراهة ، وتقول أنه كان يتمنى هذا منذ صغرها ، ولم يرتح إلا بعد أن حصل عليه .
تتألق نظرة الفتنة في عينيها وهي تقول : لا يوجد رجل يراني ولا يشتهيني .

*****

بيقولوا لما التاجر بيفلس بيدور في دفاتره القديمة .. والصديق لما يقع بيدور على اصدقاء يسندوه .. واللي ملوش كبير بيشتري له كبير .. و ابن الوز عوام ..
بس المشكلة ان مفيد مالوش دفاتر قديمة وعمر ما كان ليه حق عند حد ، ولما دور على اصدقائه الي كانوا دايمًا حواليه لقاهم اتبخروا ، ومكنشي معاه فلوس أو أي حاجة تانية يشتري بيها اي حد أو اي حاجة ، ويتيم مشفشي ابوه ولا أمه ولا يعرف اذا كانوا وز ولا جمال .
اول مرة شفته فيها كان في السوق ، شبه الشحاتين ، وماسك ازازه شكلها ازرق ، حواليه بتوع الطماطم والخيار والكرفس والبقدونس ، وكان البطيخ لسة طالع وأقرع . كان في واحد بيشتري من جنب العربية اللي هو كان قاعد جنبها ، المشتري خبط على البطيخة وبعدين على راس مفيد اللي حلقها بالموس وقال للبياع قرعة زي قرعة ابنك يا مـ....
وسابه ومشي .
البياع اتجنن ورفس مفيد في ضهره بكل قوته ، شتمه بأمه وقاله ماشفشي وش .... اللي ..... هنا تاني .
الرفسة زحزحت فقرة من عموده الفقري .. ومعرفشي يتحرك ، البياع افتكره بيغتت وبيتبارد ، قام نازل فيه ضرب .
مفيد ولد صغير عنده 17 سنة ، بس جايز يكون شكله كبير شوية . لما شفته عرفت انه مش قادر يتحرك والبياع نازل ضرب فيه كأنه هو اللي منع عنه قوت عياله .
لما مفيد مات في المشتشفي وهو بيحكي لي حكايته ، رجعت مخنوق للسوق ، عملت محضر للبياع : دي قضية ضرب افضي إلى موت .
لكن البياع كان بيدعي عليا والمخبر بيشده ع الحبس . انا كمان اترفزت قدام الضابط وزعقت للبياع على اللي عمله في واحد ملوش اي ذنب في حاجة .
البياع فضل يصرخ انه وشه نحس ، وجاب له الكافيه بقعدته كل يوم جنبه ، وكل يوم يزعق له ويمشيه يقوم راجع تاني . فضل يتكلم عن بيته اللي رهنه عشان يعمل العملية لمراته ، وولاده اللي خرجهم من التعليم وسرحهم ع العربيات في السوق . والبت اللي اتخطفت منه ، وحمد ربنا انه خفف عبئها عنه .
لما مشيت وهو دخل الحبس .. رجعت اقرأ تاني في كتاب العدالة والقانون اللي اداهُولي محامي صحفي بيعمل دراسة عن المجتمع . لما وصلت لمحطة الاتوبيس اللي انا نازل فيها رميت الكتاب من الشباك وخبطت في الناس واتخانقت مع اتنين وزقتهم عشان الحق انزل واوصل للشغل اللي اتأخرت عنه .

*****
بس المشكلة اني ما كنتش متخيل أن الموضوع ممكن يتطور للحد ده .
اقرأ المزيد »

الثلاثاء، أكتوبر 20، 2009

Vivah .. روعة أن تصنع البساطة !

حينما أعطتني صديقتي العزيزة " هدى هاشم" هذا الفيلم لم أكن أتوقع أن يكون بكل هذا الجمال . في بداية الأحداث ابتسمت لأني حتى الآن لم أجد فيلما هنديًا ليس به اسم " كالي " أو " كالي كالاة " أو "كريشناة" . لكن مع الأحداث بدأ هذا الإحساس بالصفاء والجمال يتصاعد من أعماقي ليشمل - تدريجيًا - كل أجزائي . أطفأتُ ضوء الحجرة وكنت أجلس وحدي في السابعة صباحًا وتابعت حكاية " بريم " و" بونام " على الأشعة المتسللة من النافذة كأشعة الحب التي تتسلل تدريجيًا بين قلبيّ الحبيبين .
"بونام " طفلة يتيمة فقدت أبويها وهي صغيرة ونشأت في رعاية عمها " كريشناكانت " الذي كان يحبها كما يحب ابنته " جوتي " . والطفلتين نشأتا كالأختين ، ويحبان بعضهما كثيرًا . لكن المشكلة في أم جوتى " راما " التي كانت تشعر أن "بونام " أجمل من ابنتها السمراء ، ومن هنا بدأت تفرق في معاملتهما . حينما كبرت البنتين جاء حمو جوتى " بهاجاتا " - أو" بهجت" كما أحببت أن أسمعه - الذي تقدم لها وهو جار لها بزوجٍ لبرينام من دلهي ، من عائلة ثرية .

وتبدأ أحداث القيلم الحقيقية ، منتهي البساطة والروعة ووالد "بريم " - والد الزوج المنتظر - ينصح ابنه الخائف من الزواج لأنه يعتقد بصغر سنه ؛ بأنه يتوجب عليه أن يتشارك في حياته مع زوجة ، لأن الزواج مبكرًا سيجعلهما يتعودان على بعض بشكل أكبر ، ويحبان بعضهما للأبد ، وأن الزوجة ستأتى في حياته بمثابة الإلهام فتحمل عنه نصف أحزانه ، وتضاعف له سعادته ، وتؤازره في مصاعب حياته .ثم يترك له صورة " بونام " الجميلة ، التى تظل ي يده حتى يزورها في بلدتها الصغير " مادهوبور ".

يتقابلا معاً وبدون حوارٍ كبير وباستخدام أبسط التعابير والإشارات ، يعرفان أن بينهما حياة كاملة ومستقبل . وتبدأ الأسرتان في التعارف بشكل أكبر ويدعوهم " كريشناكانت " إلى نزهة ترفيهية في ضيعة صغيرة قريبة . ويبدأ التقارب بين القلبين الصغيرين وهما يتلمسان معًا طريقهما ويتحينان الفرص ليتكلما معًا ، ويختلقان الأسباب ليتكلمان بضع كلماتٍ قليلة . وكل فرد من الأسرتين يتيح لهما الفرضة .

حينما يرحل بريم ، بعد أن اتفقا على موعد الزفاف ، وحينما يعد العم العدة لزاج ابنة أخية ، يحدث حريق يتسبب في إصابة برينام بحروق بالغة.

الفيلم على مدار أحداثه شديد البساطة ، والقصة في حد ذاتها مكررة وشديدة التقليدية ، ولا تخلو من نبرة وعظ عالية . ولكن روعة الفيلم في أسلوب تصويره ، وجمال إخراجه ، والتقاطه لتفاصيل صغيرة جدًا في حياة الشابين الصغيرين ، بل وفي حياة كل فرد من أفراد الأسرتين.

بعد ان ينتهي الفيلم لا يمكن ألا تتذكر شخصية واحدة ظهرت في الفيلم ، وألا تشعر معها بالحميمية .

حتى السكريتيرة الحانقة التي أخطأ "بريم " في اسمها وهو يناديها "برينام " باسم حبيبته.بالرغم من انها لم تظهر إلا في مشهدين فقط.

الفيلم يدور على مدار ساعتين وأربعين دقيقة ، ولو أخرجه مخرج مصري من مخرجي " القلش " لأخرجه في عشر دقائق بكل أحداثه الهامة وشخوصه. لكن الفرق سيكون واضحًا جدًا بين الفيلمين.

هناك لمسة سحرية لا أفهمها ولا أستطيع الامساك بها ، جعلتني أبكي ثلاث مرات على مدار الفيلم ، بالرغم من أن دمعتي صعبة المنال ، ولم تنزل على كثير من أقاربي حينما ماتوا . والفيلم لم يمت به أحد ، لقد عاد " بريم " إلى حبيبته المخلصة المحترقة ليتزوجها في المستشفى قبل أن تجري جراحات الإنقاذ والتجميل . حينها يقول له الطبيب " لقد شهد هذا المستشفي انفصال العديد من الشباب والشابات الجميلات بسبب المغالاة في المهر ، وهذه هي المرة الأولي التى يحدث فيها زواج " .

الفيلم يقدم الحياة كما هي ، دون أدنى تدخل إلا في العين التي يجعلك مخرج الفيلم ترى بها هذا العالم . فيمنحك الصفاء والجمال ، ويعطيك قدرًا من الأمل في أن تعيش الحياة بهذه البساطة الآسرة.

**

شكرًا يا "هدى" على هذه الهدية الرائعة!
اقرأ المزيد »

السبت، أكتوبر 17، 2009

رؤيــا ..!

أخبرنا ساحر القرية
وهو يرقص حول النيران ،
أننا سنصير أسودًا ،
ونساؤنا لبؤات .
الحرب قادمةً ..
ولا فرار من المصير
لأن الدنس يلوث فردًا من القبيلة ..
باع روحه للشيطان .
قرّب وجهه من النار .
وأشار بعصاته إلينا ،
فعلا الزئير حتى جاوز القمر .
في الصباح ..
بعد أن مات الأعداد ،
ورحلت الأسود للكهوف ..
بقيت لبؤةٌ شاردة ..
تدور نائحة وهائجة
وتضاجع الموتى من الأعداء
وفي اليوم التالي وجدوها
جيفة ملقاة على مدخل الوادي ..
ترتدي ثياب الملكة.
اقرأ المزيد »

حرية !


قليلة هي اللحظات التي تكتشف فيها حريتك الحقيقية وليس الحرية الموهومة التي يبثونها كل يوم على وسائل الإعلام . حريتك أمام نفسك ، وخروجك من الأغلال التي صنعتها لذاتك وقيدت أحلامك ووجودك بها .
تتراءى أمام عينيك ذاتك القديمة الموغلة في الماضي إلى الأزل ، هذه هي أنت الدائمة التي تترسب عليها خرافات حاضرك المقيت وبقايا تفاهات تلك الشخصيات التي تحتل – بلا حق – مساحة في حياتك وتستخدم بساطتك في تحويرها ضدك . في لحظة تنقلب كل حسناتك سيئات ، وتدور كالمطحون في فلكٍ آخر غير الذي كان لك . وتحس الغربة في أقصى معانيها ، غربتك عن نفسك. ويدك التي حرمتها أن تمتد إلى أقصى ما يمكنها ، فدرت في قفصٍ وهمي لا وجود له إلا في الخيال .
في لحظةٍ نادرة تتكشف لك كل هذه الحقائق .
حقائق نفسك ، وحقائق كل من حولك ، ومن لم يعودوا حولك ، تكتشف الأصدقاء الذين غفلت عنهم على ندرتهم الشديدة ، تكتشف الأصدقاء الذين هم في حقيقتهم أعداء ، والأعداء الذين صاروا أصدقاءً ، تكتشف من بين كل هؤلاء من أخذ مساحة واسعة ولم يكن شيئًا في الحقيقة .
تجلس في سخرية من كل شيء ، تمسك قلمك وترسم على كراستك صور هذه الشخصيات الغائمة التي وضعت لك – دون أن تدري – اختبار ذكاء لتضيع فيه بعض الوقت قبل أن تفهم اللعبة التي تلعبها معك تخاريف حياتك:
ترسم وجهًا مستديرا بقرنين : الأنانية التي صارت عليها تلك الشخصية ، والذاتية التي تهيئ للنفس أن العالم يدور من حولها فقط.
ترسم وجهة كالبيضة المقلوبة متصلا بثديين مترهلين : الحلم الميت الذي تحول من فتاة أحلامٍ لغانية تقدم نفسها على الطرقات وتفزع من فكرة أن أحدً لم يعد يرغبها .
ترسم قلما رصاصا فوقه بلية صغيرة : الخديعة التي رأيتها يوميا ولم تعرف ماهيتها إلا في اعترافٍ بعيد تناولته من بين الهمهمات السافرة .
ترسم جبهة كقائم المرمي متصلة بعيونٍ لزجة : المصائب التي تتبعك أينما ذهبت ، وتخطف من مساحات الفضاء ساحات لمرضها الخبيث الذي تعرضه في كل مكان .
ترسم جسدًا مشعرا لصرصورٍ يذكرك دوما بصرصور شيرين : الغباء الذي يمشي على قدمين ، كدمامة الغوريلات.
ترسم وجوهًا كثيرة ، لكنهك في النهاية تعرف أن كل هذه الوجوه ماتت من حياتك ولم يعد لها وجود .كل هذه الوجوه شغلت مساحات من حياتك الأخرى التي لم ترغبها على هذا النحو .
حول كل هؤلاء ترسم سيوفًا بيضاء وسيوفا سوداء ، ورمح جاء من أقصى الوسط إلى هدفه المقدر لتفزع كل الحشرات وتبدأ بياتها السنوي .
**
من السيئ جدًا أن تكتب كلاما لا يفهمه سواك .
اقرأ المزيد »

السبت، سبتمبر 19، 2009

الوعي الإيقاعي في قصيدة مصطفي يحيى(فوق أرصفة الشوارع) بقلم : أحمد راشد

يعد الإيقاع في العمل الشعري من أبرز أسباب تمكّن الكاتب وتفوقه ، لأن الإيقاع في كثير من الأحيان يتفق مع الدلالة النفسية ، للشاعر والمشهد الذي يحاول توظيفه للتماشي مع هذا الشكل المتكامل .
وعلى الرغم من أن محاولات الكثيرين من القدماء لم تفلح في وضع قاعدة يمكن الاتكاء عليها في الربط بين أغراض الشعر وبين الحالة
النفسية إلا أن هناك حالات تتجاوز الإيقاعات فيها مجرد التزيين الجمالي الصوتي للقصيدة لتصل إلى تأثير عميق في نفسية المتلقي .
وإذا كان القدماء لا يستطيعون الجزم باطراد قاعدة منظمة للعلاقة بين الإيقاع والحالة النفسية فإن المحدثين كذلك لا يمكنهم الجزم
بذلك ، فأنت على سبيل المثال قد تقرأ قصيدة على بحر المتقارب والذي يتسم بتصاعدية الإيقاع وتشعر أنها مناسبة للتعبير عن
عن الفخر أو التعبير عن انفعالات الغضب والتوتر كما في هذه الأبيات :
تبسم ..
بحق الغلام
الذي أكسبته الرصاصات ثقبًا
بحجم الرغيف الذي لم يره
وأجرت دماء مكان الحليب الذي غادره
تبسم ..
بحق الزنازن والمعتقل
بحق المقل
بحق النجاسات البكارات التي ثيبوها
بعري الفلاه
..بحق العجوز التي جرجروها
وداروا على ثديها كالشياه

إلا أنه يأتي معبرًا عن حالة من الفرح والنشوة كما في هذه الأبيات:

أحبك حبًا
بكم الدباديب في غرفتي
وكم الففاقيع أرسلتها لك من شرفتي
وكم الزهور التي زينت سترتي ..

لكن رغم ذلك فقد يفاجأ القارئ بقصيدة يكون الإيقاع فيها هو سيد الموقف كما سيمر بنا إن شاء الله مع قصيدة "فوق أرصفة الشوارع"
للشاعر مصطفى يحيى.. والآن إلى القصيدة :

فوق أرصفةِ الشوارع ..!


ساكنون
فوق الكراسي
عبر درجات السنيـن
عابثون
حول المقاهي
فوق أطراف الظنون
ناظرون
نحو الأماني
خلف شاشات المجون
***
ابسم يا شيطان الرحلة
يا قبطان سفينة عادٍ
يا مجنـــون
ابسم فالأرواح عيـون
ترشُقُ هذا البـثَّ العاتــــي
ويدقَّ القلـبُ المفتون
***
ويلّـفَّ النادل .. ويغني
ويُقّـطِّف ثمرات غصون
ابسـم
اضحك
يا ( جرســون )
لملم أطراف النارجيــلة
احضـر شايـًا لزبون
يجلس في كنفِ المقهى
ويصيــحُ بصوتٍ مجنــون
القي النردات المأفونة
شِّدّْ الأنفاس الملغومــة
واطلب حجرًا محترمًا
كي يضبط رأسًا مطحــون
لا تأبهْ للعمــرِ السائــر
نحو فنــاءٍ محســــوم
اضحــكْ
اســعلْ
ثم ابــصقْ
فوق الحُـلمِ المرجــوم
حقًا كان شديد العطفِ
كان رفيق العمر الماضــي
لكــنْ
لاشــيء
يــــدوم
***
افتح صفحات الـ (جرنالِ)
وتندرْ بنكاتٍ أخــري
اشتــمْ
الــعنْ
ثم اضحــكْ
حقًا يا مسكينُ تسيـــر
نحو قضاءٍ محتوم
لا تسألْ عن حُــلمٍ موؤد
عن أمـلٍ زاهٍ وورود
فالغدُ مريضٌ محمــــوم
يمتلئُ جراحــًا وهمــوم
متروكٌ للعبثِّ الطاغي
لكفوفٍ تقتــل .. وتدين
يا حُلمًا .. تاه ولم يحظ
بحياةٍ ، أو بعض سنين
يا أملاً مات هنا عمرًا
مقتولاً..
مذبوحًا..
معدومْ.
محمولاً فوق الأكتاف
مرميًا في قبو سقيـــم
***
ساكنون
بالأماني المستحيلة
عند أطراف الجنون
عائدون
من دمارِ كلِّ ليلــة
للتلاشي والظنون
ناظرون
نحو أطلالِ المدينــة
و انكسارات العيــــون
نلاحظ أن هذا الجزء :
ساكنون
فوق الكراسي
عبر درجات السنيـن
عابثون
حول المقاهي
فوق أطراف الظنون
ناظرون
نحو الأماني
خلف شاشات المجون

عبّر عن حالة من الهدوء من خلال إيقاع الرمل المجزوء ، وقد كان معبرًا من خلال القافية المنتهية بالواو والنون والياء والنون عن هذه الوداعة ، كما أن عدد الكلمات في كل سطر أفاد هذه الحالة من الهدوء والبطء النسبي في الحركة .
ولأن الشاعر العزيز يعي بشكل فطري العلاقة بين الحركة في النص والحالة النفسية فقد استخدم بحر الخبب والذي ستأتي أبياته بعد قليل ليعبر عن حالة من الانحدار والتغير السريع والمفاجئ لا في حالة المجتمع المصري فحسب بل وكذلك في إيقاع الحياة كلها .
إن سرعة هذا البحر أتت بعد الهدوء الذي أتى به بحر الرّمل ليدرك القارئ أو الملتقي عنف التغير والانتقال وما يستببعها من تساؤلات حول مستقبل الوطن بل العالم أجمع في ظل هذه التغيرات السريعة .
هذه الأبيات من بحر الخبب عبرت عن سرعة غير عادية أثرت النص بشكل كبير :
ابسم يا شيطان الرحلة
يا قبطان سفينة عادٍ
يا مجنـــون
ابسم فالأرواح عيـون
ترشُقُ هذا البـثَّ العاتــــي
ويدقَّ القلـبُ المفتون
..........
.....
يا أملاً مات هنا عمرًا
مقتولاً..
مذبوحًا..
معدومْ.
محمولاً فوق الأكتاف
مرميًا في قبو سقيـــم
في هذه الأبيات التي مرت بنا من المؤكد أننا لاحظنا انتقالاً عنيفًا وسريعًا ومفاجئًا من حالة لأخرى على صعيد الإيقاع وعلى الصعيد النفسي .
على سبيل المثال فلنأخذ هذه الجزئية :
ناظرون
نحو الأماني
خلف شاشات المجون
***
ابسم يا شيطان الرحلة
يا قبطان سفينة عادٍ
يا مجنـــون
ابسم فالأرواح عيـون


من المؤكد أنك عزيزي القارئ لاحظت ما بينهما من سرعة في الانتقال .
هذه السرعة المفاجِئة أتت متعمدة وليس سهوًا لتقيم توازيًا بين الحالة النفسية للفرد وبين سرعة تغيرات المجتمع وانحداره .
ونصل إلى ملمح آخر يتمثل في توظيف الإيقاع للسياق الموقفي أي أن الإيقاع السريع في القصيدة تناسب بشكل كبير مع طريقة
تحدث صبي المقهى والتي هي بطبيعتها سريعة ممثلاً في هذه الجزئية :
يا ( جرســون )
لملم أطراف النارجيــلة
احضـر شايـًا لزبون
يجلس في كنفِ المقهى
ويصيــحُ بصوتٍ مجنــون
لقد استطاع شاعرنا العزيز أن يصل إلى وجدان القارئ ويتحدث بلسانه (ابن البلد-رجل الشارع) وجعل الإيقاع السريع لبحر الخبب
متماشيًا مع هذه الانفعالات . لكنه بعد إذ أخذ من السرعة جانبًا كبيرًا نراه يقوم بنفس التغير المفاجئ من السريع إلى الهادئ كأنه
يقوم بــ(فرملة) مفاجأة . ليجد القارئ نفسه بعد إذ استغرق في هذه السرعة ملقى على شواطئ الحياة المؤسية والمؤسفة .
وكأن مفعول( الحجر الملغوم) الذي يعبر به الشاعر عن المخدّر قد انتهى وبدأت اللحظات الحزينة للعودة مرةأخرى .
لننظر إلى هذه الانتقالة من السرعة في بحر الخبب إلى البطء في بحر الرَمَل( المجزوء):
يا أملاً مات هنا عمرًا
مقتولاً..
مذبوحًا..
معدومْ.
محمولاً فوق الأكتاف
مرميًا في قبو سقيـــم***

ساكنون
بالأماني المستحيلة
عند أطراف الجنون
عائدون
من دمارِ كلِّ ليلــة
للتلاشي والظنون
ناظرون
نحو أطلالِ المدينــة
و انكسارات العيــــون

لقد جاء المقطع الأخير ليعبر عن حالة من الانخفاض في الصوت وهي حالة حزينة تعبر عن الفتور والضيق .
إن الانتقال من حالة البطء إلى السرعة في الحالة الأولى جاء ليؤكد على سرعة انتقال المجتمع من وضع لآخر ،ثم
جاءت الانتقالة الثانية من المقطع الثاني إلى الثالث لتشير إلى هول المفاجأة الحزينة والصورة المؤسفة ،وانتهاء نشوة
الزيف والتخدير التي ينشد الشاعر الخلاص منها .
وعلى صعيد المقطعين الأول والثالث نجد البطء في الإيقاع اتخذ مظهرين متعاكسين وكأن السرعة هي التي فرقت بينهما فجعلتهما نقيضين
المقطع الأول :
ساكنون
فوق الكراسي
عبر درجات السنيـن
عابثون
حول المقاهي
فوق أطراف الظنون
ناظرون
نحو الأماني
خلف شاشات المجون

والذي عبر عن حالة استقرار نفسي و(استرخاء ) أخذ في التغير بفعل (الرحلة)
بينما المقطع الثالث :
ساكنون
بالأماني المستحيلة
عند أطراف الجنون
عائدون
من دمارِ كلِّ ليلــة
للتلاشي والظنون
ناظرون
نحو أطلالِ المدينــة
و انكسارات العيــــون

كان التعبير عن حزن ويأس وتمزق بنفس الطريقة التي بدأ بها النص وبنفس الإيقاع .
إنها قدرة عبقرية لا تكمن في التغير من بحر لبحر ، بل وعلى صعيد البحر الواحد اتخذ البحر الشعري- نفس البحر الشعري-حالتين نفسيتين
مختلفتين منتاقضتين رغم أن طبيعة تراكيبه لم تتغير .
إذا لقد أفلح شاعرنا في تصوير الانتقال من حالة إلى أخرى ثم أفلح في تطويع البحر الواحد لحالتين نفسيتين مختلفتين ، وهذه إشراقة من إشراقات الشعراء الواعدين والذين هم بحاجة إلى الوقوف على مثل هذه التجارب وصقلها بالكثير من القراءة والاطلاع حتى يأتي باقي العمل على هذا المنوال الفذ.

.......
أحمد راشد
اقرأ المزيد »

الأحد، سبتمبر 13، 2009

مراهقة ..




العالم الذي لم يكف عن الصخب قد انتهي ، بقايا أوجاعه لازالت عالقًة بأذنيها ، تأتي عبر الماضي الذي تركته وراء باب حياتها الموصد عليها في وحدتها الدائمة .
أنين ..!
هذا كل ما بقى لها .
أنين يرافق كل حركاتها ، وتحسه في أحلامها كل ليلة.
تئن مع كل حركةٍ كعجوزٍ تجاوزت خط عمرها .
تفكر وهي تجلس جلستها المعتادة في ساحة البيت ، تتابع الطيور التي يصر أخوها على تربيتها ، وتقدم لها الطعام ببقايا الأمومة التي لازالت تختلج بأعماقها واهنة.
تفكر في العوالم السحرية التي تتمناها ، وتنتظرها في غدها الآتي البعيد.
تشعر أنها بطلة قديمة في فيلم عربي كلاسيكي واهن الجودة . تتذكر : ماجدة ، فاتن حمامة ،و شادية . كلهن أتين معها من نفس العالم الفقير المعدم الذي يرسم أحلامه الزائفة على أطياف الغد الخائنة.
سكنت أطرافها وهي تتابع الطيور ، وتعلقت عيناها بريشةٍ فلتت فجأة من جناحٍ خفّق مُحلقًا للسماء. تابعت تحليق الطائر ، وهبوط الريشة شديد النعومة ، جلبها الهواء ناحيتها فسكنت عند أطراف قدميها .
مدت أصابعًا مرمرية تلتقط الريشة ، تذكرت على الفور ريشة مشابهة في فيلم أجنبي لا تذكره تحديدًا.
شعرت بحنينٍ غريبٍ لهذه الريشة البائسة ، وتألقت دمعتان واهنتان في عينيها استعدادًا لسيلٍ من المطر. خبأت الريشة في ثوبها وهرولت تصعد السلم إلى حجرتها. لتغلقها عليها ، وتبكي في صمت.
اقرأ المزيد »

السبت، أغسطس 15، 2009

ســـــــفر ـ شعر ـ


اقرأ المزيد »

الخميس، أغسطس 06، 2009

سيسيفيوس ..!

في ( أسطورة سيزيف ) يقف ألبير كامو على فهم فكرة العبثية في الحياة ، و على فكرة الوعي العبثي الذي يسحب الإنسان مباشرة لكراهية العالم والشعور بالغربة لنجد أنفسنا في مواجهه مباشرة مع فكرة الانتحار التي تكون موضع مناقشة جادة في مواجهة العالم الذي صار مجددًا لذاته بعيدًا عن محاولات الإنسان العبثية للعيش فيه .
ويوضح ( فيلكر ) أن الإنسان يشبه سيزيف في محاولاته العبثية في سبيل المعرفة وفهم الحياة ، مثله في هذا مثل محاولات جلجاميش العبثية في سبيل الخلود . كأن المعرفة / الخلود هي وحدها الأمور التي تنقذ الإنسان من صراعاته العبثية . كما أن وقوف الصخرة على أعلى الجبل هو الحل الوحيد الذي ينقذ سيزيف من عقابه الأبدي.
وقد تناول السينارست ( محمد دياب ) هذه الفكرة ليصل إلى عدة أفكار ونهايات تتباين في مضمونها عما انتهت إليه هذه الفلسفات ، مازجًا كل هذا بالصراع النفسي الذي يظهر في صورة مجموعة ضخمة من الأحلام المتداخلة ، التي يستعرض بها وعي الإنسان من خلال عقله الباطن الذي يعي الحقيقة كاملة ولكنه يعجز عن تقديمها مباشرة للوعي.
لقد كان السؤال الأهم بالنسبة لي بعد خروجي من قاعة السينما مترنحًا كالسكارى هو : هل ينتمي هذا الفيلم إلى المدرسة الواقعية أم المدرسة الفانتازية ؟
تيمة الفيلم الأساسية هي : حلم داخل حلم . يبدأ بعرض حياة شاب يعمل في البورصة ويستعد لحفل زواجه يعود ليكلم حبيبته في الهاتف وينام على الكرسي ، ليبدأ في مجموعة ضخمة من الأحلام المتتالية يستعرض فيها يومه التالي الذي ينتهي بوفاته بدلا من زواجه . مع تكرار الأحداث لذات اليوم يبدأ في اكتشاف حقائق لم يعها من قبل . كأنها محاولات عده من عقله الباطن أن يكشف له حقيقة حياته ببطء وبدون صدمة ، ودعوة في الوقت ذاته لفهم موضعه في الحياة .
وهي من منظور آخر صراعات متواصلة للوصول إلى المعرفة والحقيقة التي تتدخل فيما بعد في قرارات الإنسان . حينما يستيقظ في النهاية يكون عقله الباطن قد قدم له مساعداته للوصول للمعرفة . ليختار في النهاية قدره بنفس راضية . وهو نفس ما قاله ( ألبير كامو ) بأن سيزيف في عقابه كان سعيدًا لأن الكفاح من أجل الوصول للأعالي كفيلاً بملأ قلب الإنسان . لقد كان بطل " ألف مبروك " سعيدًا وراضيًا بنهايته في سبيل إنقاذ من يحب ، وكمحاولة أخيرة منه لتقديم اعتذاره لهم لأنه لم يصل للمعرفة إلا متأخرًا جدًا .
اقرأ المزيد »

التشهير ، والتمجيد بالعرب

أتساءل دومًا – وأعتقد اننى محق في تساؤلي – عن الوقت الذي سيحين فيه للعرب التحرر من ربقة الهيمنات الغربية ، بعد العهود الطويلة التي قضتها هذه الشعوب تعانى فداحة الاستعمار الغربي لها . تكدس الأنفس ، وتسن الأرواح ، وتحلم بالجلاء الكامل عن أراضيها . ولم تكد تفيق حتى سقطت في براثن قوى أخرى أشد طغيانًا ، وأخف وطئًا على نفسٍ لم تشعر بثقل هذه الهيمنة إلا بعد عقودٍ مديدة ، ومنها ما زال يحيا الحلم الغربي ، ويراه في خيالاته.
لم يكن الاستعمار الغربي للشعوب العربية هو الشكل الوحيد للتحكم الغربي في الشرق ، بل سبقه وتلاه صورًا أخرى من التحكم ، ظلت مستمرة إلى يومنا .منذ وعد بلفورد لهرتزل بإقامة وطن في فلسطين يجمع فيه شتات يهود العالم . إلى المناورات السياسية التى تقوم بها أمريكا و إسرائيل لفرض هيمناتها على الدول العربية ، واستخدام سلاح القضية الفلسطينية وربطه في كل مرة بقضية مختلفة .
يستخدمون مرة أساليب الترغيب كسلاح المعونات الأمريكية ، أو تقديم الشراكة التجارية والاقتصادية بينها وبين دول الشرق ( وهو سلاح ذو حدين ترغب به دول الشرق ، وتربطهم في نفس الوقت بعجلة الاقتصاد الأمريكي ليكونوا تابعين لها ) ، وتستخدم التهديد كذلك ، كفتح الملفات النووية ، وملف الديموقراطية وحقوق الإنسان . بل وتحاول إقناع العالم بأنها تسعى لنشر الديموقراطية والسلام وحقوق الإنسان وتحسين أساليب التعليم والصحة كأنها مُصلح عالمي أو نبيٍ جديد.
والمشكلة الكبرى أن كثير من المثقفين العرب يصدقون هذا ، ويقتنعون به ، ويجرون في كل مكان يصرخون به ويهللون له . وبعيدًا عن افتراض سوء النية ، وبعيدًا عن الاتهام بالعمالة والمصلحة الفردية الخاصة . فكيف يمكن لعاقل أن يتصور كل هذه الملائكية في دولة استعمارية بطبعها يتدخل في حكمها اللوبي اليهودي الذي يؤمن بأرض الميعاد من النيل للفرات؟
الفكرة تخرج عن كونها مشكلة فكرية أو ثقافية إلى كونها مشكلة نفسية صارت تشكل كثيرًا من الوجدان الجمعي العربي ، الذي صار يحلم بالخلاص على طريقة الإله من آلة لينتهي فجأة من كل مشاكله الاقتصادية والسلوكية والاجتماعية والسياسية . وهذا الاعتقاد في حد ذاته كفيل بأن يضيف إلى أعبائه عبئًا جديدًا بتراكم كل هذه المشاكل دون رد فعل واحد حقيقي وفعال يصدر عن نفس تسعى للتغيير .
جماعات كبيرة من المثقفين العرب يلقون بكل هذا الحال المزري الذي وصلت إليه كثير من البلدان العربية على عاتق الحاكم وحده ، والأكثر إنصافًا منهم يلقه على عاتق الشعب العربي وموروثاته السلبية وثقافته الانتهازية .
ويخرجون من تحليلاتهم هذه بإسقاط كل مسببات هذه الحال على شهوة السلطة والبقاء فيها لأطول أجل ممكن ، بل والرغبة في توريثها للأبناء ( مثلما فعل معاوية ) وقرارات تُتخذ لتحقيق مصالح فردية خاصة بعيدًا عن الصالح العام ، ونبذ الديموقراطية ، والإصلاح الفعلي في كل فروع المجتمع ، وعلى ثقافة الشعب السلبية و خوفه من بطش ضارب ، والخنوع والاستسلام التام للسلطة الفردية التي لا تعبر عنه ، وتركه لكل هذا وبحثه عن مجده الفردي واكتساب الرزق ، وعدم الالتفاف حول مبدأ أو قضية قومية ، وتركه للمشاركة الفعلية في الساحات السياسية والاجتماعية.
ثم يخرجون من كل هذه التحليلات بأنه مادام لم يأتى إصلاحنا بأيدينا فليأت إذن بيد عمرو . وعمرو يلعب دوره دولة كاملة تمثل القطب الأوحد في العالم.
فيشجعون الرأي القائل بتدخل أمريكا في إصلاح التعليم في العراق ، وبتدخلها في طلب تغيير الخطاب الدينى في مصر ، وسعيها لتحقيق الديموقراطية بالتدخل السافر في شئون بلاد العالم الثالث ، بدعوى أنها لم تصل لمرحلة النضج الكامل لتسير أمورها ، كمراهق لا زال يحتاج لوصاية أبيه.
وكثيرٌ منهم يغرق في جلد الذات ، واتهام العرب بأسوأ الاتهامات الأخلاقية ، متحدثين عن الأزمات الثقافية التى تعانيها الشعوب ، والأزمات العلمية والفكرية.
وكل هذا لا يصيب كبد الحقيقة . فلا يمكن بحال إسقاط الظروف التاريخية التي عاشتها الشعوب العربية لتصل لما وصلت إليه. فأي تفاعل كيميائي مفتوح لا يمكن تحليله ومعرفة نتائجه بدون الرجوع إلى العوامل الخارجية التي أثرت على هذا التفاعل وشاركت في الوصول لهذه النتائج.
والعامل الخارجي الأكثر أهمية وتأثيرًا هو الاستعمار الغربي للشرق ، وتقسيمه – كالكعكة – بين هذه القوى الاستعمارية في الحملة الأوروبية الثانية التي انتهت بسقوط العثمانيين بعد الحرب العالمية الأولى، ثم ما تلاها من سنوات الاستعمار الغربي ، وصولاً إلى الهيمنة الأمريكية بسلاحي القوة العسكرية والاقتصاد على معظم دول العالم الثالث.
دعونا لا ننسى – أو نحاول أن نتناسى – تاريخ أمريكا والأمريكيين أنفسهم في إبادة شعب كامل هو الهنود الحمر ، لاحتلال موطنهم وخلق عالم جديد لهم ، دون أي اعتبار لديموقراطية أو حقوق إنسان ، أو غيرها من المصطلحات ذات السلاحين .
أمريكا تتكلم عن رغبتها في تحرير العرب من أنظمتها الفاسدة . ومن قبلها تحدثت فرنسا في حملتها على مصر برغبتها في تحرير مصر من الاحتلال العثماني لها ، حتى بريطانيا في الحرب العالمية الأولى وما قبلها تكلمت عن عبء الرجل الأبيض بأن يحرر الآخرين الأقل منه تحضرًا وعلما ، ورغبتها في تحرير الدول الأقل منها من الجهل والظلم والغوغائية.
هي سمة غالبة للدول التى ترتدي قناع الديموقراطية للسيطرة على الدول الأقل منها قوة واقتصادًا وهيمنة . التحدث بلسان الأخ الأكبر أو الأب الذي يتعذب من أجل صلاح أولاده القصّر.
ومخدوعون من يصدقون هذا الكلام ، أو يتكلمون به سعيًا وراء صالح العرب ، فتقدم العرب الفعلي والحقيقي وبداية صلاحهم سيأتى مع اللحظة الأولى لتحررهم النفسي من الهيمنة الأمريكية على ثقافتهم وعقولهم وفكرهم . إن الإيمان بالذات ، وبتاريخ هؤلاء القوم العريق وأصالتهم ، والشعور بالحرية الفكرية والثقافية ، سيطلق الشعلة الأولى في تحرير العرب الحقيقي من الاستعمار النفسي والاقتصادي والثقافي الذي لازال العرب يرسفون تحت نيره عالمين وغير عالمين.
اقرأ المزيد »

الاثنين، يونيو 08، 2009

التى ترحل هناك في ( كلاي كافية )


يدعوكم " كلاي كافية " لحضور ندوة وحفلة توقيع ديوان:
( التى ترحل هناك )

وذلك الأربعاء الموافق 24 يونيو 2009 .
( 24 الشهر ده ، يعني كمان 16 يوم )
في تمام الثامنة مساءً
الدعوة عامة .
برجاء حضوركم




عنوان كافية كلاي : أمام محطة ترام سبورتنج الصغرى ، الإسكندر
ية.
اقرأ المزيد »

السبت، مايو 02، 2009

" التى ترحل هناكـ " حاليًا بالمكتبات .



الديوان صدر فعلا يوم 30/4 /2009 .. إلا أننى أجلت أن أقول حتى أمسك الديوان بيدي .. وهو ما حدث اليوم .. سافرتُ القاهرة .. وكان يومًا عجيبًا جدًا .. بداية نهاية الربيع .. والاستعداد لدخول الصيف .. ثم تمطر السماء .. وفي القاهرة كذلك.
الجو كان حارًا فعلا .. والسماء تمطر .. سبحان الله .. لم أر مثل هذا اليوم أبدًا . وقد اعتبرتها بشرة خير على رأي جدتى
ذهبتُ إلى دار النشر .. واستلمت النسخ الخاصة بي . ولم أتخيل جمال هذه اللحظة في أكثر أحلامى تفاؤلاً .
تذكرتً تعبيرات مثل : ده ابنى ، ده حتة منى ، وكنتُ أعتبرها مبالغًا فيها بعض الشيء . لكن هذا أقل وصف يمكن وصفه بالفعل .. أن ترى حلمًا من أحلامك يتحقق وتمسكه بيديك . لم يكن مجرد ابن .. بل كان أنا .. كان حياةً كاملة عشتها .. وحملت من أحلامى ، وأحزانى ، وذكرياتى .
شعور غريب فعلا . وأنا أرى كل أشعاري في ديوان واحد .. بين دفتى كتاب واحد . يعبر - باستهبال مطلق - عنى أنا .
والآن .. أماكن توزيع الديوان بالقاهرة :

مكتبة عمر بوك ستور
15 ش طلعت حرب – أعلى مطعم فلفله

مكتبة آفاق
97 ش القصر العيني

مكتبة حنين
10 ش الديوان ، جاردن سيتى ( أمام مكتبة آفاق .. اللي فوق دي

دار الكتاب العراقي
أمام مقهى ريش - ش طلعت حرب

دار حورس

مكتبة الأهرام
بمحطة قطار القاهرة ، بجوار منافذ بيع تذاكر الدرجة الأولى والثانية مكيفة.


وقريبًا جدًا - بمشيئة الله تعالي - بمكتبات الاسكندرية وباقي المحافظات .. وسنوافيكم بالأماكن تحديدًا . إن شاء الله .

كل تحياتى وتقديري ..

تحديث :

أماكن توزيع الديوان في الاسكندرية :

مكتبة الرملي : ميدان محطة الرمل يجوار سنترال محطة الرمل .

مكتبة سونة : ميدان محطة الرمل ، بجوار فيشار جوجو.

مكتبة ميدو - محطة الترام ، أمام مول سان ستيفانو.

مكتبة معرض الكتاب الاسلامى : ش صفية زغلول ، أمام ماكندونالدز

اقرأ المزيد »

الثلاثاء، أبريل 28، 2009

حقوق الملكية الفكرية

في الأحد الموافق السادس والعشرين من ابريل 2009 ، كان العالم يحتفل باليوم العالمي للابتكار الأخضر ، الذي وافق يوم الاحتفال بحقوق الملكية الفكرية.
وفي نفس اليوم ، وفي برنامج ( شاي الخامسة ) على قناة النيل الثقافية ، تم استضافتى ، مع صديقي الغالي / وليد فكري ، الكاتب والروائي والمحرر بموقع بص و طل. ومع صديقي الغالي / محمد ابراهيم صقر ، الروائي والصحفي بمجلة القمة . ومع الفنان محمد الحديدي المصور الفوتوغرافي.
وربما يرى البعض أن موضوع الملكية الفكرية ليس بالأهمية الكافية التى تشغل هموم الناس . والحقيقة أن صلاح أي مجتمع إنسانى لا يكون إلا بالحفاظ على الحقوق والقيام بالواجبات.
إن الممارسات الإبداعية من أهم وأقدس الممارسات الانسانية على مدار التاريخ ، وعن طريقها تتقدم الدول ، وتُبنى الحضارات ، وتتبلور الثقافات. لهذا كان على المجتمع أن يقدر هذه الابداعات ويحميها من السرقة ، ويوفر لمبتكريها البيئة المناسبة و الخلّاقة التى تساعدهم على خلق الابداع وتطويره .خاصة مع امكانية استثمار هذه الحقوق في النمو الاقتصادي والرفاء الاجتماعي - كما بدأت تتجه سورية - عن طريق تحويل هذه الافكار الابداعية إلى قيم اقتصادية فاعلة في المجتمع.
ولكن دعونا نتفق أن تطبيق هذه الأفكار يحتاج إلى ظروف مجتمعية مناسبة حتى يكمن تطبيقها ، مثل معدل النمو الاقتصادي ، ومتوسط دخل الفرد في المجتمع . فلو كان بإمكاننا تقسيم هذه الحقوق ، لتكلمنا عن حق المؤلف في أن ينسب عمله إليه هو نفسه ، وحق الناشر في العائد المادي ، وحق المستهلك في أن يصله هذا الابداع بسعر في متناول يده .
السرقات الأدبية على الانترنت ، التى تقدم كل الابداعات مجانًا، تساهم حقًا - كما قال استاذي احمد خالد توفيق في مقال له - في تثقيف المجتمع ، وتوفر قناة مناسبة لتدفق المعلومات، بدونها سيغرق الكثير في الظلام ، والبعد عن الحياة الأدبية والثقافية.
وفي نفس الوقت لا يمكن أن نعتبر هذا سببًا لسرقة المبدع أو الناشر . ولكنه يدفعنا للتفكير في حل لكلا المشكلتين : مشكلة حماية حقوق الملكية الفكرية ، ومشكلة غياب الأفراد عن الحياة الثقافية والأدبية والعلمية .
اعتقد أن البداية بمحاولة توفير هذا الابداع بسعر في متناول المستهللك العادي ، حتى يمكننا في النهاية أن نعاقب السارق أو القرصان بضمير مستريح.
اقرأ المزيد »

الأربعاء، أبريل 22، 2009

فريق زمان ..


من أجمل الأخبار التى سمعتها خلال الفترة الأخيرة .
الحفل الأول لفريق " زمان " يوم الجمعه 24 أبريل - الساعة السابعة مساءًا على مسرح الجراج بمركز الجزويت الثقافي: 298 ش بورسعيد - كليوباترا بجوار ستوديو فرح - الإسكندرية.
الفريق مكون من شقيقين لصديقي العزيز ، عمرو عز الدين ، وصديق ثالث لهما .
بانتظار الجميع هناك إن شاء الله .
**

اقرأ المزيد »

الجمعة، أبريل 17، 2009

عن الديوان ..


كفان ..
ضارعان ..
إلى السحاب .
يتهدل ..
شعرها الذهبى
فوق التراب ..
ملقاة
على أطراف الغاب ..
وتبتسم
إذا أشرت ساهمًا
إلى السراب
***

نقلا عن دار هفن للترجمة والنشر والبرمجياتhttp://haveneg.blogspot.com/2009/04/blog-post_2734.html

***

جروب الديوان على الفيس بوك

http://www.facebook.com/group.php?gid=100933962264&ref=mf

اقرأ المزيد »

الأربعاء، أبريل 08، 2009

التى ترحل هناكـ


اقرأ المزيد »

السبت، مارس 14، 2009

الوقوف فوق تبة الجبل

أغمض عيني في شيءٍ من الحزن .
الحزن يجعل الروح نبيلا .. حالمًا .. رائقًا ..
الحزن يجعلنى متفلسفًا هذه الفلسفة الخرقاء التى لا يعرفها سواي .. ولا يقتنع بها غيري .
أغمضُ عيني في هدوء ..
وأرانى هناك فوق قمة الجبل البعيد عند أطراف الغابة ..
لا أعرف . . هل أنا سعيدٌ بوصولي لأعالي الحياة ؟
أم أننى حزينٌ أستعد لإلقاء نفسي من علٍ ؟
الصورة تحمل ألوانًا رائعة .. صفرة الرمال الممتزجة بالجبال الرمادية على خلفيه الغابة المتألقة بألوانٍ شتى .. والسحب البيضاء التى امتزج بعضها بأرجوانية شاحبة ، والبحر الهادئ الملقى في سفح الجبل كقدرٍ لا مفر منه.
لا شمس هنالك.
فقط أقف وحدي على قمة الجبل تتلاعب بي الرياح .. وأكادُ أتهاوي .
أنا لا أتغير .. وهذه هي لعنتى الدائمة.
أحيا أحيانًا لحظاتً خرقاءً أحاول الخروج بها من اعتياديتى ، لكننى سرعان ما أعودُ كما كنتُ .
لقد مر الزمن من حولي ستة وعشرون دورة كاملة . و لم أتبدل ..
أعيش بأحلامٍ ولجت خيالي منذ أعوامٍ عدة . لم تغيرها الحياة ، ولا الخطوب ، ولا كل الآلام التى اقترفتها كذنبٍ لا غفران له.
كل أحزانى ثبتتنى أكثر على أحلامى الصغيرة لهذا الطفل الصغير الذي عاهد نفسه على أن يعيش باقي حياته كطفلٍ . ولم يعد في امكانه الحنث بوعده أبدًا.
تناثرت السنين والأيامُ والذكريات والاحلام في فضاءٍ واسعٍ قابل لاحتواء كل شيءٍ .
اختفت ..
لم يعد منها شيء ..
لا شيء غير الشعور العميق بالحزن ..
الحزن الذي يجعل الروح شفافًا . فيكاد لا يعبأ بشيء ، ويكادُ لا يُرى.
لم يعد سوى هذا الخيال الموشك على الانتحار ، أو الموشك على الرقص سعادً وفرحة.
وترن في خلفيه الصورة صوتُ منير وهو يقول بمنتهى الإحساس : أنا من أهوى .. ومن أهوى أنا .
لكنه لا يكمل .
فقط كأنه شريطٌ تالفٌ .. تتكرر الجملة مرارًا .
ولا أعرف كيف أوقفها .. لأننى لستُ مقتنعًا بها .
ربما اقتنع باستكمالها ، وبالمعنى الذي تقوله .
لكن الوقوف عند هذا الحد . مثله مثل الوقوف فوق تبة الجبل .
وحيدًا .. حولي كل ما أحلم به من صور الطبيعة التى أعشقها .
لكننى لا أعرف ُ أبدًا . هل أنا موشكٌ على الرقص مع الرياح ، أم موشكٌ على القفز إلى حضن البحر المسترخى في دعةٍ أسفل المنحدر.

***

اليوم أكمل عامي السادس والعشرين . للأسف
اقرأ المزيد »

الأربعاء، مارس 11، 2009

خارج معاييرهم !

تتشظى انتماءاتٌ ولّدها الخوفُ المطلقُ من إهاباتٍ تكتنف الساحات و تخنق الأنوار و تفرد سلطانها المهيبَ حول أعناقِ الأطفال المرتعشة من بردٍ يطلقه هبوب العواصف من حلوقٍ تصرخ فتتمدد معها أسوار الثلوج حول نفوسٍ غضةٍ لم يزل فيها دفئها الأولىّ الذي خرجت به من الرحم الموهوم بأحلامٍ عاشت في خيالٍ عاشقٍ ظل عمره يأبى الكف عن الرومانسية التى جلبها من عالمه الأولىّ الذي فقدته الأرواح المنسية عبر الأزمنةٍ التائهه.
البوتقةُ الصغيرةُ تحترق .
فيصعد الروح الرفيفُ إلى أعالى الوجودِ باحثًا عن النفس التى تاهت منه في استيقاظه المترع بالألم من غفوته البكر التى لم يكن يعرف العالم قبلها إلا عن طريق حكايات الجدّة ، التى ماتت ، في ليالٍ لم تختلف كثيرًا عن هذه الليلة التى أوهنها غياب القمر ، ولكن أثرها روحٌ يصعد في وجودها الشاحب ، فيتألق وتتألق .
تتوالد في إهابه الجديد انتماءاتُ جديدة فيرفضها بدورها ويكمل دورته التى لا تنتهي في بحثه شيءٍ ما لا يعرفه تحديدًا وأتعبه التعذب بالاشتياقِ المجنون إليه وفقد السبل الواصلة معه آمال الطفولةِ المعلقةِ بأحبالٍ واهنةٍ في ذاكرةٍ أضناه المكوث بين رحيها المفعم برحيق الجلد والتجلد.
تتشظى انتماءاتٌ غير مرضيةٍ أطلقها وجودٌ زاعقٌ غير راضٍ عن شيءٍ ، في بحث محمومٍ ، يتعثر خلاله في أفلاكٍ لم يعرف عنها إلا الصدماتِ المتتاليةِ من وجودٍ صاخبٍ يزأر من حوله بتوحشٍ طامعًا في هذا الطفل الصغير الواهن الذي أتاه ، بحلمٍ مخطوطٌ بأوراقٍ ملونةٍ صغيرة تحملُ خيالاتً واهنة .
تتمزقُ الصدفةُ التى لم يكتمل تحورها.
يندثر الإهاب في فراغاتٍ لم تعد تميز ملامحه ولا تضاريسه الطفلةِ ، و يترك وراءه أسيً من الفراق الأولىّ الدامع ، فتنطلق الروح الغضة باندفاعٍ أكثرٍ حملت حزن الفراق وهدوء الوعى الساذج .
انطلاقٌ ..
تكسّر ..
نهضة ..
احتضار ..
إنها المرحلةُ الأخيرة من الوعى التام بمعنى الحياة . في لحظة الفراق النهائية ، والرحيل بعد رحلةٍ داميةٍ اشرأبت عبرها ألوانُ شتى من الأحلام ، والآلام ، وانبثاقاتٌ متتالية مجهضة من وجودٍ لم يتعلم عبر ارتحالاته الهوجاء سوى الإصرار على حلمٍ ، لم يتأكد له أبدًا سذاجته ، فمكث به بعيدًا خارج معايير الحياة التى لم تعرفه ولم يعرفها على الإطلاق.
يمكن تخيل الأمر بأكثرِ من صورة .
مثلاً:
انفجارٌ .. يتلاشي ، لينبثق من وسطه انفجارٌ ، أكثر تركيزًا وسطوعًا .. فيتشظى ، ويأتى من عمقه انفجارٌ ثالثٌ ، أشد وهجًا .
الانفجار الأخير هو الذي يعمى الأبصار ، فلا يراه أحدٌ ليحكم على مدى نيرانه الباهرة ، أو خفوته الشاحب.
هو الانفجار الذي لا يُرى ، فلا أحد يملك القدرة على تفسيره أو وصفه . لأن أحدًا لا يدرك وجوده ، ولا يعرفه.
إنه خارج الحياة نفسها.
يحتضر ..
أو لم يولد بعد

اقرأ المزيد »